حالة النقاش الساخن التي تشهدها الساحة العراقية بين اغلبية الكتل السياسية وممثلي الادارة الاميركية حول الاتفاقية الامنية المقترحة بين البلدين ، تؤكد ان واشنطن تحاول بالقوة فرضها على الشعب العراقي ، بدليل التهديدات التي اطلقها روبرت غيتس وزير الدفاع الاميركي محذرا من العواقب السيئة اذا لم تقم الحكومة العراقية بالموافقة عليها.التهديدات الاميركية والتي جاءت بعد رفض الحكومة العراقية للاتفاقية ، ودعوة واشنطن الى تعديل بعض البنود والتي تتعارض مع مبدأ السيادة والولاية القضائية ، وتضع حدا لحالة الالتباس من مثل ربط مغادرة المدن العراقية في حزيران من العام المقبل بالوضع الامني على الارض ، تؤكد ان ادارة بوش قد صاغت الاتفاقية ، بما يتناسب واهدافها الاستراتيجية ، التي كانت وراء قيامها بغزو العراق واحتلاله ، متذرعة بأكاذيب وافتراءات ، من مثل امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل وغيرها ، مما ثبت بطلانه.ما نشرته وسائل الاعلام واساتذة القانون الدولي حول خطورة مضامين الاتفاقية على سيادة ومستقبل العراق كان السبب الرئيس وراء وقوف الشعب العراقي باغلبيته ضدها.فالاتفاقية المقترحة لا تخضع لموافقة الكونغرس بشقيه مجلس الشيوخ والنواب مما يعطيها قوة قانونية وانما تخضع فقط لموافقة الرئيس ما يفقدها قوة الالتزام ، علاوة على أنها تعطي للولايات المتحدة حقوقا غير مسبوقة في السيطرة على مقدرات العراق سياسيا واقتصاديا وقانونيا.وفي هذا الصدد اشار نواب عراقيون الى ان الحقوق التي يعطيها هذا الاتفاق لشركات النفط الاميركية ولمدة طويلة تصل الى ثلاثين عاما ، اضافة الى اقامة خمسين قاعدة عسكرية في طول البلاد وعرضها ، ما يشير الى خطورة هذه الاتفاقية والتي هي عبارة عن احتلال جديد باثواب جديدة.وان ما يؤكد صحة ما اشرنا اليه ، هو الضغوط التي تتعرض لها حكومة العراق ، والتي بلغت حد التهديد ، على لسان وزير الدفاع ، ورئيس الاركان المشتركة وخاصة بالتوصية الى مجلس الامن بعدم رفع اسم العراق من الفصل السابع ، اي ما يعني بقاء العقوبات وفرض الاتفاقية بالاكراه ، وهذا يتناقض مع المادة «52» من اتفاق فينا لقانون المعاهدات والذي ينص على ان المعاهدة باطلة ، اذا تم التوصل اليها بالاكراه.ان اتفاق اغلبية الشعب العراقي على اعادة النظر في بنود الاتفاقية يفرض على واشنطن احترام هذه الرغبة ، اذا كانت حريصة على تأسيس علاقات طبيعية مع عراق ما بعد الاحتلال ، والابتعاد عن سياسة البلطجة والعصى الغليظة التي دأبت عليها منذ ان احتلت ارض العراق قبل خمس سنوات ، خاصة في ظل فشلها الذريع في تحقيق الانتصار الذي حلمت به طويلا.خلاصة القول: ان العراق يمر بمنعطف خطير ومخاض عسير ، يتقرر فيه مصيره السياسي ، ومن هنا نجد اصراره على رفض الاتفاقية الامنية والتي هي اقرب الى الانتداب ، ما يفرض على واشنطن ان تستجيب لنبض الشارع العراقي وان تخرج من اوهامها الاستعمارية. Date : 23-10-2008 |